عبد الله الأنصاري الهروي
347
منازل السائرين ( شرح التلمساني )
والرّين هو الكدر والظلمة المانعة للقلب من البصيرة ، فإذا خلّص اللّه تعالى عبده من هذه الظّلمات ، وطهّره من الكدورات ، وجذبه بحبل الوصال ، وفجّر في قلبه المعرفة حتّى أنبت الإشارة ، فإنّ قلبه ينبت فيه الفراسة ، وذلك موجود في المؤمن ، فكيف في المعاين ، قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « اتّقوا فراسة المؤمن ، فإنّه ينظر بنور اللّه » « 5 » . والذي ثبت عندي بالتّجربة ، أنّ فراسة أهل المعرفة إنّما هي في تمييزهم من يصلح لحضرة اللّه عزّ وجلّ ممّن لا يصلح ، ويعرفون أهل الاستعداد الذين اشتغلوا باللّه تعالى ، ووصلوا إلى حضرة الجمع ، فهذه فراسة أهل المعرفة . وأمّا فراسة أهل الرّياضة بالجوع والخلوة وتصفية البواطن من غير وصلة إلى جانب الحقّ تعالى ، فلهم فراسة كشف الصور والأخبار بالمغيّبات المختصّة بالخلق ، فهم لا يخبرون إلّا عن الخلق ، لأنّهم محجوبون عن الحقّ ، وأمّا أهل المعرفة / فلاشتغالهم بما يرد عليهم ممّا هو من معارف الحقّ تعالى ، فإخبارهم إنّما هو عن اللّه تعالى . ولمّا كان العالم أكثرهم أهل انقطاع عن اللّه تعالى ، واشتغال بالدّنيا مالت قلوبهم إلى أهل كشف الصور والأخبار عمّا غاب من أحوال المخلوقات ، فعظّموهم واعتقدوا أنّهم هم أهل اللّه تعالى ، وخاصّته ، وأعرضوا عن أهل كشف الحقيقة ، واتّهموهم فيما يخبرون به عن اللّه تعالى : لو كانوا هؤلاء أهل حقّ كما يزعمون لأخبرونا عن أحوالنا وأحوال المخلوقات ، وإذا كانوا لا يقدرون على كشف أحوال المخلوقات ، فكيف يقدرون على كشف أمور أعلى من هذه ، فكذّبوهم بهذا القياس الفاسد ، وعميت عليهم الأنباء الصّحيحة ، ولم يعلموا أنّ اللّه تعالى قد
--> ( 5 ) أخرجه الترمذي في كتاب التفسير ، وقال : حديث غريب .